خدمة الاخبار المباشرة  
الرأي نيوز
     
 
نظام المجلسين في لبنان وصلاحيات مجلس الشيوخ
 
 
سليمان تقي الدين
نظام المجلسين في لبنان وصلاحيات مجلس الشيوخ


نص الدستور اللبناني في المادة 22 منه المعدلة بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990:
مع انتخاب اول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
تشترط المادة 22 ان يسبق إنشاء مجلس الشيوخ انتخاب مجلس نواب على أساس لا طائفي. ويكون هذا المجلس هيئة لتمثيل الطوائف التي اتخذت لأول مرة تسمية «العائلات الروحية». بينما يستخدم الدستور اصطلاح «الطائفة والطوائف» في المواد 24 (تأليف مجلس النواب) والمادة 95 (الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية) وتمثيل الطوائف بصورة عادلة بتشكيل الوزارة ووظائف الفئة الاولى.
أما مقدمة الدستور فقد نصت في الفقرة ح على إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني.
أما المادة 16 فما زالت تنص على:
تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب.
بعد ان عدلت هذه المادة عام 1927 وكانت تنص: يتولى السلطة المشترعة هيئتان: مجلس الشيوخ ومجلس النواب. أما الصلاحيات التي نص عليها الدستور لمجلس الشيوخ العتيد فهي «تنحصر في القضايا المصيرية». بينما استخدمت المادة 65 من الدستور الفقرة 5 مصطلح «مواضيع اساسية» للتصويت الموصوف في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين.
نحن إذا امام القضايا التالية:
1) متى ينشأ مجلس الشيوخ وما الأسباب الموجبة له؟
2) ما هي الصلاحيات التي ستناط به؟
3) ما هي القضايا المصيرية وهل يمكن ان تعني نفس مضمون المواضيع الاساسية في تصويت مجلس الوزراء؟
4) ما هي العائلات الروحية، ولماذا استخدم الدستور هذا المصطلح بدلاً من «الطوائف» الواردة في غير مادة؟
5) ما هو المفترض في نيّة المشترع الدستوري بالنسبة لكيفية انتخاب مجلس الشيوخ؟
6) وهل يكرس الدستور الطوائف كمؤسسات سياسية؟
7) وهل يمكن لمجلس الشيوخ ان يحقق صحة التمثيل ووظيفته من خلال القاعدة الانتخابية المختلطة كما ينتخب مجلس النواب الطائفي أم انه يفترض استقلال الهيئة الناخبة الطائفية بانتخاب ممثليها؟
8) من هي الطوائف المعنية بالتمثيل بالقياس او الارتكاز الى قوانين الاحوال الشخصية او بالقياس الى قانون الانتخاب النيابي؟
9) هل يشترط مجلس الشيوخ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما نصت المادة 24؟
في تفسير القاعدة الدستورية:
لتفسير القاعدة الدستورية يجب العودة الى: الأسباب الموجبة والمناقشات البرلمانية والأعمال التحضيرية والاجتهاد، والاجتهاد المقارن وروحية النص.
سبق للبنان ان اعتمد نظام المجلسين (الشيوخ والنواب) في دستور 1926 الممنوح من سلطة الانتداب الفرنسي بناء على صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم. استوحى الدستور اللبناني قواعد الجمهورية الفرنسية وجعل السلطة التشريعية مؤلفة من هيئتين: الشيوخ والنواب.
ألغت سلطات الانتداب مجلس الشيوخ في العام 1927 لانه لم يكن يؤدي وظيفة مؤسساتية خاصة. فلا يعتد إذا بالعودة الى التجربة السابقة.
أما الأسباب الموجبة فهي مختصرة وتتعلق بكل التعديلات الدستورية التي اقرها اتفاق الوفاق الوطني في الطائف، وهي لا تصرح بشيء خاص عن مجلس الشيوخ، أما المناقشات البرلمانية فلا تلحظ هذا الأمر، لان التعديلات الدستورية اقرت دفعة واحدة وفي جلسة نيابية واحدة، تطبيقا لاتفاق الوفاق الوطني في الطائف.
وأما وثيقة الوفاق الوطني التي اقرت في الطائف واعتبرت مرجعا لهذه التعديلات فهي أيضا ذكرت حرفيا في الفقرة 7 من بند 2 (الاصلاحات السياسية) نص المادة 22 كما وردت من الدستور المعدل عام 1990.
إذا هذه الأمور كلها لا تقدم شرحاً لنص المادة 22. لذا نعود الى مطالب القوى السياسية والمناخات التي رافقت إقرار اتفاق الطائف وفلسفة الاصلاحات والمؤسسات التي تم الاتفاق على استحداثها او تعديلها.
في مسودة الأوراق التي اعدتها اللجنة الثلاثية العربية التي دعت الى اجتماع الطائف لا يرد أي ذكر لمجلس الشيوخ. طرحت الفكرة من قبل النائب الوحيد الممثل للطائفة الدرزية في مداولات الطائف، وهو حمل مطلبا للطائفة الدرزية تضمنته مذكرة لها صدرت عام 1983.
تدعو المذكرة الدرزية الى إنشاء مجلس للشيوخ وتناط برئاسته بممثل عن الطائفة الدرزية في سعي الى تأمين مشاركة هذه الطائفة في قيادة البلاد إزاء النظام الطائفي المعمول به نصاً وعرفاً.
أقر المؤتمرون في الطائف هذا المطلب دون مناقشة جدية ووجدوا فيه مخرجا لتخفيف وطأة الاصلاحات الاخرى التي تهدف الى إلغاء الطائفية السياسية وما تثيره من تحفظات. لذا ميّز المؤتمرون بين استخدام تعبير الطوائف والعائلات الروحية. الاولى لتنظيم السلطة الطائفية، والثانية لتنظيم الدولة المدنية التي لا تعترف بالطوائف كمؤسسات سياسية، بل كمؤسسات ثقافية فاسبغوا عليها صفة «العائلات الروحية» التي ترد لاول مرة في نص قانوني.
أما الصلاحيات لهذه المؤسسة فهي «القضايا المصيرية» أي انها تختلف عن «المواضيع الاساسية» التي وردت في قرارات مجلس الوزراء.
هل كان الأمر مقصوداً لجهة هذا الاختلاف، وما معنى هذه وتلك؟ ولماذا لم تعدل المادة 16 المتعلقة بالهيئة المشترعة التي بقيت على نصها القديم: الهيئة المشترعة واحدة هي مجلس النواب؟. فهل المقصود ان نظام المجلسين لا يعني ثنائية السلطة التشريعية، ام ان المقصود فعلا ان يكون مجلس الشيوخ بمثابة هيئة نقض ومراجعة ورقابة على مجلس النواب اللاطائفي؟ هذه الاسئلة لا نجد جوابا عليها في المواد الدستورية الآنفة الذكر بشكل مباشر، لكنها وفق مبادئ التفسير وقواعده، فهي تفسر في ضوء ارتباط إنشاء مجلس الشيوخ بالغاء الطائفية السياسية وانتخاب مجلس نيابي لا طائفي. هذه هي الفكرة الوحيدة الواضحة من الدستور ووثيقة الطائف.
من المؤكد حسب الدستور، ان مجلس الشيوخ لا ينشأ قبل انتخاب مجلس نيابي لا طائفي. لن يكون مجلس الشيوخ سلطة برئاسة محفوظة لاي فريق طائفي، الا في حال تحويل الرئاسات وبنص دستوري غير موجود، الى تحديد طائفي، بدلا من الحال العرفية القائمة، وهذا لا يستقيم مع مشروع إلغاء الطائفية السياسية.
حين نفكر في مجلس الشيوخ من ضمن الواقع الدستوري الراهن فهو هيئة تمارس دور المراقبة والنقض ولا تشارك في اعمال الدولة اليومية. فهي هيئة لا تتدخل في المواضيع العادية بل بالقضايا المصيرية. على هذا المستوى من الفهم والتفسير ليس مجلس الشيوخ المقترح هيئة تشريعية ثانية، وليس سلطة تنفيذية، فهو اقرب الى المجلس الدستوري او المجلس الأعلى لصيانة الدستور. هذا التوصيف ينعكس بالضرورة على كيفية تشكيله وعلى صلاحياته.
لا بد إذا من تحديد المقصود بالعائلات الروحية التي تتمثل في هذا المجلس والقضايا المصيرية التي تتناولها صلاحياته.
العائلات الروحية:
قلنا ان الدستور يستخدم مصطلح الطوائف وحقوق الطوائف كما جاء في المادة 95 من دستور 1926 والمادة 10 من حقوق اللبنانيين وواجباتهم. ثم ان الدستور المعدل استخدم مصطلح الطوائف في تأليف المجلس النيابي والوظائف العامة. لكن المادة 9 من الدستور استخدمت تعبير «الأديان والمذاهب» في معرض الحديث عن حرية الاعتقاد وحماية الدولة لها.
إذا نحن امام مصطلح جديد مأخوذ عن الفكر السياسي اللبناني الذي يستخدم «العائلات الروحية» للدلالة على التنوع الديني والمذهبي والثقافي ولا يقر بالطوائف كمؤسسات سياسية.
هل قصد المشترع اذا من هذا المصطلح «العائلات الروحية» نفي الصفة السياسية عن الطوائف في معرض معالجته لمسألة إلغاء الطائفية السياسية؟ الارجح ان هذا هو المقصود، ولم يكن الامر مجرد اصطلاح عابر وغير مطابق لنيّة المشترع. فهذا المجلس ينبثق عن العملية الاصلاحية لالغاء الطائفية السياسية، ولهذا هو لا يكرسها مجدداً في نص دستوري جديد.
القضايا المصيرية:
علينا ان نجتهد كثيراً هنا لتحديد ما هي القضايا التي تعتبر مصيرية؟ حين يستخدم المشرّع «المواضيع الاساسية» ويحددها في 14 موضوعا لتحديد النصاب القانوني لتصويت مجلس الوزراء يلحظ مواضيع لا يمكن اعتبارها مصيرية مثل: تعيين موظفي الفئة الاولى، او التقسيم الاداري، او حل مجلس النواب، او قانون الانتخاب او قانون الاحوال الشخصية او إقالة الوزراء، ولا حتى موازنة الدولة.
يمكن اعتبار تعديل الدستور، واعلان حال الطوارئ والحرب والسلم، وقضايا مصيرية، لكن المواضيع الاخرى ليست كذلك، ويمكن ان يثور نقاش وجدل حول اهميتها ومصيريتها.
ثم إذا نحن اشركنا مجلس الشيوخ في صلاحيات البت بهذه المواضيع الاساسية كلها، نقحمه حكما بالسلطة التنفيذية ويتحول حكما الى مجلس رئاسي، او مجلس مراقبة تطبيق الدستور. لان تعيين الموظفين وإقالة الوزراء من اعمال الحكم التي تخضع جزئيا وبشكل ضيّق لرقابة مجلس شورى الدولة كقرارات إدارية.
نحن اذا امام التباس اصلي حول وظيفة مجلس الشيوخ وصفته في المؤسسات الدستورية. هل هذه الصفة تشريعية ام تنفيذية ام قضائية رقابية ناقضة؟ ولكل من هذه الصفات معايير وقواعد تؤثر على مشروع إنشاء هذا المجلس.
ما يمكن ان نقوله الآن انه علينا ان نجتهد في تحديد طبيعة هذا المجلس وصلاحياته وتكوينه من خلال علاقة نصوص الدستور بعضها ببعض بالآخر وروحية الدستور والافكار التي ادت الى هذه الاصلاحات.
استبعاد فكرة انضمام المجلس الى ان يكون فرعاً من السلطة التنفيذية:
من الثابت ان مقدمة الدستور حسمت في الصفة الجمهورية البرلمانية للنظام السياسي، وبلا مسؤولية رئيس الجمهورية ومسؤولية الحكومة امام المجلس. في النظام الجمهوري البرلماني لا مكان لسلطة تنفيذية فرعية بصفة مجلس رئاسي او مجلس أعلى.
استبعاد فكرة انضمام المجلس الى المشاركة في السلطة التشريعية:
ما زالت المادة 16 الدستورية تعتبر مجلس النواب الهيئة الوحيدة للتشريع. والمادة 22 لم تلحظ الصفة التشريعية لمجلس الشيوخ. بل ان المادة 22 حصرت صلاحيات مجلس الشيوخ بالقضايا المصيرية وهي لا تتعلق بالتشريع العادي لتسيير عمل الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم.
استبعاد فكرة انضمام المجلس الى المشاركة في السلطة القضائية:
السلطة القضائية محددة في المادة 20 من الدستور، والسلطات ذات الصفة القضائية محددة ايضا كالمادة 19 للمجلس الدستوري، او المواد المتعلقة بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. مجلس الشيوخ ليس اذا من هذه الطبيعة ولا يملك صفة قضائية.
مجلس الشيوخ من طبيعة مجالس صيانة الدستور او مجالس الشورى او تشخيص مصلحة النظام
إذا عقدنا مقارنة بين مجلس الشيوخ المقترح في الدستور اللبناني والانظمة ذات المجلسين لا نجد عناصر تشابه إذا في مظهر واحد وهو ان طبيعته التمثيلية تتعلق بجماعات في الدول التعددية. في النظام الأميركي الاتحادي هو مجلس تمثيل الولايات، وفي سويسرا الدولة المتعددة القوميات يمثل القوميات او الاثنيات لكن المرتكزة الى الأقليم الجغرافي او الكانتونات في دولة اتحادية.
قد يحمل مجلس الشيوخ في لبنان هذا المعنى، تمثيل العائلات الروحية، ولكنه لا يمكن ان يأخذ صلاحيات مجلس الاتحاد السويسري لانه لا يأخذ طابعا جغرافيا، فهو تعبير عن فدرالية شخصية لا جغرافية.
بناء على كل ما تقدم، لماذا مجلس الشيوخ في لبنان واية صلاحيات؟
نعتقد ان الوظيفة الوحيدة لمجلس الشيوخ هي ان يوفر الضمانات للطوائف التي تتوجس جميعها من إلغاء الطائفية السياسية.
يفترض الدستور من مقدمته ان إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني، لكنه يحرص على ميثاق العيش المشترك بين المجموعات التي تؤلف النسيج الوطني اللبناني. ومن الواضح ان البنود الميثاقية التي تحولت الى نصوص في مقدمة الدستور هي القواعد الثابتة للنظام والدولة.
وإذا كان من اللازم تحرير التمثيل السياسي الشعبي والعمل الوظيفي من القيد الطائفي فلا بد للجماعات اللبنانية من ضمانات حتى لا يؤدي ذلك الى طغيان طائفي او هيمنة او أي شكل من اشكال الانحراف الذي ينتج الغبن والشكوى.
ولو عدنا الى تراث الفكر السياسي اللبناني وطروحات الجماعات اللبنانية لوجدنا ما هي الامور التي يفترض انها حاجة لطمأنة هذه المجموعات، بعد تحقيق المساواة التامة في الحقوق والواجبات وإلغاء كل اشكال التمايز والتفضيل. وظيفة مجلس الشيوخ ان يوفر هذه الضمانات ومن هذه الزاوية يمكن تحديد صلاحياته من حيث الموضوع والشكل، بعد تحديد وسيلة تأليفه.
المسألة الأولى التي تحرص عليها المجموعات اللبنانية هي الحرية وهي تشمل الحريات الدينية: حرية المعتقد والممارسة والشعائر والدعوة والتعليم وانشاء الهيئات والمؤسسات وادارة الأوقاف وتنظيم الاحوال الشخصية.
المسألة الثانية هي الحرية السياسية والثقافية وهي أوسع وأشمل بحيث تستطيع هذه المجموعات ان تمارس حقوقها المدنية والسياسية وتشارك في السلطة دون قيد او شرط تمييزي وتمارس حرياتها الثقافية اللغوية والأدبية. لبعض هذه الجماعات ارث لغوي وتاريخي وثقافي غير الارث العربي الذي يشملها جميعا. من هذه الثقافات الفرعية اللغات الحية لدى المجموعات كالآرامية والسريانية والكلدانية والآشورية والكردية والارمنية والعثمانية والتركمانية والفارسية والعبرية. هذا ما تعترف به انظمة الاحوال الشخصية مثلا، فضلا عن حق تلك الجماعات في التفاعل مع مراكز مرجعياتها الدينية في الفاتيكان والكنيسة الارثوذكسية والازهر والنجف وقم وغيرها. ان محاكم الاحوال الشخصية العليا لدى بعض الطوائف موجودة خارج لبنان اصلا.
المسألة الثالثة هي ضمانة الحريات المدنية المستمدة من الحقوق الطبيعية، لأن المجتمع التعددي يحتاج إلى هذه الضمانة التي تشكل في حد ذاتها المشترك الذي يخترق جميع الحقوق الأخرى. حرية المعتقد يجب ان تصان للجماعة وللفرد وإلا تحولت إلى نظام مغلق يعيد اغلاق الطوائف على نفسها ويمنع تشاركها في العيش.
النظام المدني الاختياري للأحوال الشخصية حاجة وطنية للجماعات وللأفراد. هو أحد تجليات الحق الطبيعي الذي يكرس حرية الاعتقاد وحرية الضمير ويمنع أي سعي لهيمنة ثقافة احوال شخصية من فريق على آخر. وجوده (الحق المدني) يشكل المساحة المشتركة للتفاعل الثقافي والكابح الأساسي لاستبداد المؤسسات الدينية. فإذا لم تقبل الجماعات الطائفية بالحق المدني فهي لا تقبل بعضها ببعض. قاعدة الحرية الأساس في المجتمع التعددي هي حرية الجماعات وحرية الافراد.
المسألة الرابعة هي المشاركة السياسية في السلطة والعدالة في الوظائف العامة والضوابط التي يجب وضعها لتأمين هاتين الحاجتين. في السياق التاريخي للمسألة الطائفية يتحصل معنا ان حق النقض الذي يمكن حفظه لهذه المجموعات على الدولة في ما يتعلق بحاجات الحرية والعدالة هو الأساس. أي ان القاعدة القانونية الثابتة والآمرة هي الضمانة وليست المعطيات الاخلاقية.
لا بد ان يعطي مجلس الشيوخ صلاحية تصحيح أي خلل يحصل على مستوى المشاركة في السلطة والادارة، من غير ان تعيد هذه الصلاحيات تقنين النظام الطائفي القائم على المحاصصة على حساب الكفاءة والعلم والتقدم. ولتفادي مثل هذا الخلل اصلا يجب اعتماد النظام الانتخابي الذي يؤمن صحة التمثيل وشموله مختلف فئات الشعب، وعدالة هذا التمثيل في دوائر تعكس العيش المشترك على مستوى الوطن وليس الدائرة فقط وعلى أساس النظام النسبي. وهنا تلعب اللامركزية الادارية الموسعة دورا شديد الأهمية في توسيع المشاركة والتنمية والحد من التنافس على السلطة المركزية التي يجب ان تنحصر في القواعد الدنيا الضامنة لمركزية الدولة وهويتها الجامعة.
ولحسن تنظيم الادارة وفعاليتها ونزاهتها وعدالتها تقوم مؤسسات الخدمة المدنية والتفتيش في السهر على ذلك وتتعزز سلطة القضاء كمرجع اساس ضامن للحريات والحقوق ولدولة القانون والمؤسسات.
المسألة الخامسة هي ضمانة الحريات الاقتصادية ومكافحة الاحتكار، والشروع في خطة التنمية المتوازنة بالتكامل مع اللامركزية الادارية للقضاء على الاختلال البنيوي في الاقتصاد اللبناني طائفيا ومناطقيا وبين القطاعات والفئات الاجتماعية. وهذه شرط أساس لتقوية الولاء الوطني والتشبث بالأرض والانتماء الى الدولة والالتزام بسلطاتها ومرجعيتها.
المسألة السادسة وهي الالتزام بالحكم الجمهوري البرلماني الديموقراطي وبنهائية الكيان وعروبته وتعاونه الصادق مع الاسرة العربية وقيام سلطة عدالة قضائية مستقلة، فاعلة، كفوءة ونزيهة. وعليه يجب تحديث التشريعات اللبنانية كلها لتكون منسجمة مع مبادئ حقوق الانسان والغاء اشكال التمييز كافة بين المواطنين، وايجاد شبكات أمان اجتماعي توفر لهم الكرامة في العيش في جميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذه هي القضايا المصيرية التي نعتقد ان مجلس الشيوخ يجب ان يسهر على معالجتها وهو بهذه الصورة مجلس حكماء الجمهورية وليس مجرد سلطة مستحدثة بين السلطات.
لمجلس الشيوخ بهذه الاعتبارات، ان يتولى سلطة الرقابة والنقض والتوجيه على السلطات الأخرى، وعليه ان يمارس هذه الصلاحيات في المواضيع الآنفة الذكر، فتحال اليه حكما التشريعات والقرارات التي تتناول هذه المواضيع والمسائل ليقرر فيها ويوصى بالتزامها للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، او له ان يعالجها فورا.
ولهذه الاسباب يمكن اعتبار هذه المواضيع المصيرية على وجه الحصر ما تناولته المسائل الستة التي تتعلق بالقواعد الأساسية لبناء الدولة.
يتبين من خلال ذلك ان صلاحيات مجلس الشيوخ الذي ينتخب ويشكل لتمثيل «العائلات الروحية» أي الطوائف هي صلاحيات مهمة وخطيرة وواسعة ومتشعبة، وتحتاج إلى تشريع تفصيلي دقيق. لكنها تؤكد على قيام دولة ينسجم فيها الدين والدولة وتكفل حرية الجماعات دون ان تعطيها سلطة التدخل التنفيذي الذي يجعل منها دولة مفككة وفاسدة بالمحسوبية والزبائنية وتنازع العصبيات. ويكون لتدخل الطوائف بهذا السبيل تدخلا في العام وليس الخاص فتنتفي احتمالات الهيمنة واحتمالات المحاصصة ويؤكد ميثاق العيش المشترك عبر المناصفة المسيحية الاسلامية اللتين تشكلان العنوانين الأساسيين لثقافة البلاد، وعبر الرئاسة الادارية والمداورة السنوية لجميع الطوائف المعترف بها من دون امتيازات خاصة سوى ما يقره القانون لعضو مجلس الشيوخ.
ولنجاح مهمة المجلس، يتشكل مكتبه من الرئيس ومجموعة من كبار المشرعين في الجمهورية الذين يتولون بلورة المقترحات بعد دراسة المشاريع التي تحال على المجلس.
ومن المفيد طمأنة الاقليات بحجم تمثيل بأكثر ما هو عديدها، وشمول هذا التمثيل كل المجموعات الطائفية والمذهبية على أساس المناصفة المسيحية الاسلامية. اما كيف سينتخب، فبالاقتراع السري المباشر من أبناء الجماعة على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة.
مدة المجلس هي مدة المجلس النيابي وينتخبان بالتزامن. يمارس المجلس صلاحياته على النحو التالي:
÷ يناقش المجلس بناء على احالة الحكومة والمجلس النيابي القرارات والتشريعات التي تتعلق بالمواضيع التي هي محل صلاحيته وله عفوا ان يناقش أي تشريع او قرار ويقترح بشأنه ما يلزم.
÷ اذا خالفت الحكومة او المجلس النيابي توجهات مجلس الشيوخ له ان يراجع المجلس الدستوري لابطال التشريع او القرار بمراجعة معللة.
÷ للمجلس ان يتخذ بشخص الشيوخ ممثلي الطوائف الصلاحيات التي اعطيت لرؤساء الطوائف امام المجلس الدستوري، او لعشرة من أعضائه كما هو الحال في مجلس النواب.
÷ يشارك مجلس الشيوخ في انتخاب رئيس الجمهورية مع المجلس النيابي في هيئة انتخابية واحدة.
÷ له ان يسمي ثلث اعضاء المجلس الدستوري ومجلس القضاء الأعلى الذي يكون قد صار المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
÷ يخضع لنفس القواعد القانونية لمحاكمة الرؤساء والوزراء امام المجلس الأعلى. ويتمتع بالحصانات نفسها التي يتمتع بها النواب ونفس المخصصات.
÷ يمنع على عضو مجلس الشيوخ ان يمارس أي عمل خاص الى جانب وظيفته او يشارك في ادارة اية مؤسسات عامة أو خاصة.
÷ لمجلس الشيوخ ان يمارس حق النقض التعطيلي على أي تشريع او قرار ويلزم السلطات المعنية بمراجعته حتى يستقيم الأمر مع التوجهات التي يقترحها ضمانا للحفاظ على الميثاق الوطني.
  • Delicious
  • Designfloat
  • Digg
  • StumbleUpon
  • Twitter
  • Facebook
 
 
رأي + رأي